ابو القاسم عبد الكريم القشيري

60

كتاب المعراج

والقول الثالث للحلّاج : « قال الخليل ( إبراهيم ) منك إلي . فابتلاه بالنار . وقال الكليم ( موسى ) مني إليك فابتلاه بالبحر . وقال محمد ، صلعم ، منك إليك . فأكرمه بالمعراج » ( ص 201 ) . وهي لطيفة عميقة . فحال الأولين موسى وإبراهيم هي حال الفرق : أنت وأنا وابتلوا ليعرفوا حقّ التوحيد . وحال الرسول ، صلعم ، التوحيد بدءا ، محقّ لإنّيته ، منك إليك ، فكوفئ بالمعراج . أما القول الثاني فيتطلب توقّفا وتمعّنا . يقول الحلّاج « ألا ترى أن محمدا ، صلعم ، لما ظهر بلبسة الإلهية ، كيف عجز جبريل ، مع عظم محلّه ، من رؤيته وصحبته » ، ( ص 208 ) . وهنا يسارع القشيري لتأويل كلام الحلّاج . فلفظ الحلّاج لو أخذ بظاهره ، يقول القشيري « لأوهم كل خطأ » ( ص 208 ) . فتعبير " لبسة الإلهية " قد يفسّر بالشرك ، ويخرج قائله من الجماعة . لذا يشرح القشيري : « ومعنى قوله : لما ظهر بلبسة الإلهية أراد بما خصّه به الحق سبحانه من الحال التي يتقاصر عنها مستطاع البشر » ( . . . ) إذ حاشا أن يتّصف محمد بنعت هو نعت القدم ، ( ص 209 ) . ويعطي القشيري مثلا على ذلك : كيف كان الشيطان يخرّ لعمر . ويورد تفسير شيخه الدقّاق لذلك : « عمر كان عمر من حيث البشرية . وإنما كان يخرّ له الشيطان لمعنى خصّه الحق سبحانه به . . . » ( ص 209 ) . وهكذا نجد القشيري ، يخرج تعبير الحلّاج من ظاهر يوحي بالشرك ، إلى باطن لا يناقض توحيد أهل الشرع .